GuidePedia


أنور الهواري

...استخدم عقلك فى فهم التاريخ يستخدم التاريخُ عقله معك، فيحفظ لك مكانك، وتعرف به موضع أقدامك، ولا تستنزف نفسك بنفسك، ولا تدمر ذاتك بذاتك، ولا تستخدم سلاحك حيث يجب أن تستخدم عقلك.
نعم: هذه حربٌ سوف تحطم ما بقى من عمران فى اليمن إن كان قد بقى فيه شىء لم يتحطم. لكنها - وهذا هو الجديد والخطير- هى حربٌ- إذا لم تتوقف- سوف تفتح الباب لاستنزاف السعودية نفسها، نزيف الصورة، نزيف الثروة، نزيف القوة، نزيف الاستقرار والسكينة والصمت الداخلى، مع نزيف الهالة والفخامة والحضور الخارجى، ثم نزيف الرغد والنعيم والترف، مع نزيف العقد الاجتماعى القائم على البيعة بين الحاكم والمحكوم، وهو العقدُ الأخير والفريد والوحيد والغريب المتبقى من تعاقدات السياسة فى القرون الوسطى.
هذه حربٌ من السعودية ضد السعودية، حتى لو جرت على أرض اليمن وبحره وسمائه، وحتى لو كانت قنابلها مجرد رسائل مشفرة، تطلقها القاذفاتُ السعودية، لتحترق بها اليمن، ولتستوعبها وتفك شفراتها إيران، التى ترقب ما يجرى على طول الجانب الغربى من الخليج العربى هنا والفارسى هناك.
يؤسفُنى أن أقول: إيران- فى عقلها الباطن- سوف ترحب بالحرب السعودية فى إيران، وتجتهد- من الآن- فى أن تحصد أكبر المكاسب، وأن تخرج بأقل الخسائر، وأن تبذل أدنى مجهود، وأن تغرم أقل التكاليف المادية والمعنوية.
لماذا ترحب إيران بالتورط السعودى فى اليمن؟!، إليك الجواب:
رقم واحد: بعد الحرب على أفغانستان آل إلى إيران النفوذ الأكبر فى أفغانستان، التى طالما أنفقت السعودية المليارات فى تمويل حروبها، إلى جانب الأمريكان، إيران تغنم الكثير بقدر ما أن السعودية تغرم الكثير.
رقم اثنين: كذلك، بعد الحرب على العراق، آل إلى إيران النفوذ فى العراق، التى طالما أنفقت فيها السعودية المليارات، مع صدام، وضد صدام، ومع الأمريكان، ومن وراء ظهر الأمريكان. وتكررت المعادلة: مغانم إيرانية فى مقابل مغارم سعودية.
رقم ثلاثة: ثم بعد الحرب فى سوريا، وعلى سوريا، وضد سوريا، تكررت اللعبة: السعودية تنفق المليارات، ويتكرر خروجها بالخسارة، وإيران تحصد المغانم، وهى اليوم- دون سواها من دول الإقليم- صاحبة النفوذ الأكبر فى سوريا.
رقم أربعة: كذلك، بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان 1982 م، وحتى الحرب الإسرائيلية على حزب الله 2006 م، حصدت إيران الكثير من مواقع النفوذ والتأثير، فى ساحة لبنانية أُخرجت منها مصر، ثم أُخرجت منها سوريا، وتكاد تخرج منها السعودية. رقم خمسة: من قمة فاس 1981 م إلى قمة شرم الشيخ 2015 م، والعرب هم العرب، يعتبرون إيران، وليست إسرائيل، هى مصدر الخطر الأول الذى يهدد الأمن القومى العربى، ولم يفعلوا شيئاً غير مبادرات السلام التى تزدريها إسرائيل، والأخطاء التى تغتنمها إيران. وكانت النتائج كثيرة، يكفى للدلالة عليها: انسحبت إسرائيلُ من غزة، ودخلت إيرانُ إلى غزة، ويتفرج العربُ على غزة.
لماذا نخاف على المملكة العربية السعودية من التورط فى حرب طويلة فى اليمن الشقيق؟!.. إليك الجواب:
أولاً: خبرة المملكة العربية السعودية فى الحروب الخارجية- بعد إعلان التأسيس 1932 م أى فى الدولة السعودية الثالثة- هى حروب شاركت فيها السعودية، دون أن تتصدر- وحدها- للقيادة، أى كانت تحت قيادة غيرها، بما فى ذلك حرب تحرير الكويت 1991 م، ومن ثم كانت المسؤولية تقع على غيرها. أما هذه المرة فلن تقع المسؤولية بكاملها إلا على السعودية مهما كثر عدد المشاركين فى التحالف معها. وربما تكون هذه هى الحرب السعودية الأولى، التى تمثل القوة السعودية جوهرها من الألف إلى الياء وما جهدُ الحلفاء إلا نوعٌ من الغطاء.
ثانياً: الحرب الخارجية الكبيرة- التى تحمل معنى كلمة حرب- والتى انتصرت فيها السعودية، كانت على أرض اليمن 1962 م- 1968 م، وكانت بالوكالة، وكانت ضد 70 ألف جندى مصرى ذهبوا يساعدون الثورة اليمنية للخروج بهذا الشعب الطيب من ظلمات العصور الوسطى إلى ما يستطيع الوصول إليه من أنوار العصر الحديث. أرضُ اليمن التى كانت السبب فى انتصار السعودية على مصر فى حرب الأمس، هى أرضُ اليمن التى قد تكون- والله أعلم- سبب هزيمة السعودية أمام الحوثيين فى حرب اليوم. مع ملاحظة أن مصر ذهبت لمناصرة نظام يمنى ثورى كان حاكماً، بينما السعودية كانت- بالأمس مثلما هى اليوم- تسعى لإعادة نظامٍ سقط، الإمام بدر الدين قديماً، والرئيس عبدربه منصور هادى هذه المرة.
ثالثاً: المؤكد أن قوة السعودية تتفوق آلاف المرات على قوة الحوثيين، ولا شك أن القراءة الظاهرة تقول بحتمية انتصار السعودية، لكن:
هذا كان هو تقدير السوفيت عندما دخلوا أفغانستان 1979 م، وعندما خرجوا منها 1992 م، كان الاتحاد السوفيتى نفسه قد سقط وتفكك وأصبح خبراً من أحاديث الإمبراطوريات الآفلة.
ثم كان هذا هو تقدير البعثيين فى العراق حين دخلوا الحرب مع إيران فى سبتمبر 1980 م، وحين توقفت الحرب فى أغسطس 1988 م، كان البعث يتداعى كمشروع، وكان العراق قد ركب قطار السقوط كدولة.
والمؤكد أن الإحساس بالانتصار والرئيس عبدالناصر يقرر إرسال القوات المصرية إلى اليمن، خاصة بعد صدمة الانفصال، التى ضربت مشروع الوحدة المصرية السورية 1958 م- 1961 م فى مقتل.
آخرُ الكلام: هذه الحرب- قطعاً- سوف تحطم ما بقى دون تحطيم فى اليمن، لكنها- لو استمرت- سوف تستنزف السعودية.
يؤلمنا تحطيم اليمن، ويؤلمنا نزيف السعودية، وليس فى هذا ما يزعج إيران فى شىء، بل- من التجارب السابقة- سوف تحصد المزيد من مناطق النفوذ.
والحديثُ مُستأنف.
بل هى حربٌ على السعودية

Facebook Comments APPID

 
Top