GuidePedia

اليمن

علي ناجي الرعوي
دخلت الازمة اليمنية في الساعات الاخيرة فصلا جديدا يغلب عليه طابع التهدئة والتصريحات المتفائلة والمبشرة باقتراب انفراج هذه الازمة وعلى النحو الذي تظهر فيه اطراف النزاع وكأنها من سلمت بعد عام وأكثر عاشها اليمن على وقع (عاصفة الحزم) ان الحل العسكري استنفد كل اهدافه سواء بالنسبة للأطراف الداخلية او الخارجية ممثلة بدول التحالف العربي التي استفاقت ربما هي الاخرى لترى ان العاصفة التي ارادت من خلالها تغيير ملامح المشهد في اليمن قد تحولت الى حرب استنزاف طويلة باتت تتعاظم اكلافها بتلاشي تلك الصورة الاخلاقية والقوة الناعمة التي حاولت ان ترسمها عندما قررت التدخل العسكري لضرب القوة الحوثية وحلفائها ومن ثم اعادة الرئيس عبدربه منصور هادي الى القصر الجمهوري الذي خرج منه خلسة او هروبا من تلك القوة التي وصفها حينها بـ (الانقلابية) هذا ان لم تكن دول التحالف قد استشعرت بالفعل ان المجتمع الدولي الذي منحها فرصة العام لخوض عاصفتها بدا متذمرا حد الاحراج من الاخطاء العسكرية التي لازمت هذه العاصفة وكان من نتائجها سقوط اعدادا غير قليلة من المدنيين الذين استهدفتهم الضربات الجوية ومن ذلك الخطأ الجسيم الذي طال سوق الخميس بمديرية مستبأ بمحافظة حجه والذي كان ضحيته اكثر من 106 معظمهم من المدنيين والأطفال والنساء الامر الذي دفع بواشنطن الى رفع الاشارة الحمراء محذرة من مغبة الاستمرار في هذا النهج الانحداري الذي يشكل لها منغصا امام المنظمات الانسانية والحقوقية خصوصا وان واشنطن سبق لها وان اعترفت من انها ليست بعيدة عن هذه الحرب حتى وان اختزلت هذا الدور بالإسهام اللوجيستي المحدود.
عمليا فقد بدأت خطوات ترتيب المشهد الجديد في اليمن قبل عدة ايام من خلال مسارين او تطورين : الاول وهو الابرز يتعلق بانفتاح الرياض على حركة انصار الله (الحوثية) وذلك باستقبالها لوفد مفاوض عن هذه الحركة وهو ما افصح عنه ولي ولي العهد ووزير الدفاع الامير محمد بن سلمان وكذا وزير الخارجية عادل الجبير بهدف استشراف افكار الحركة الحوثية حيال ما يتصل بموقفها من الجوار وكذا ما يقال عن ارتباطها بالجانب الايراني ولاشك ان حركة الحوثيين قد نجحت في تطمين الرياض وإزالة الكثير من المخاوف التي كانت لديها الامر الذي اسهم في بعض الحلحلة السعودية تجاه الموضوع اليمني وقد برزت ملامح ذلك في الهدنة غير المعلنة على الحدود وبعض المحافظات اليمنية وكذا التفاهمات التي جرى التوصل اليها بين الجانبين اكان ذلك على صعيد ملف الاسرى والمفقودين او غيره من الملفات والتي وصفها الناطق الرسمي لحركة انصار الله بأنها ستمهد لوقف اطلاق النار الكلي قبل انطلاق الحوار اليمني _اليمني في دولة الكويت الشقيقة في الثامن عشر من الشهر الجاري.
اما التطور الثاني فانه الذي يرتبط بالتوافق الامريكي الروسي قبل ان تلتحق بهما المجموعة الاوروبية على استراتيجية جديدة للتعامل مع تطورات الازمة اليمنية وقد تجلت تلك الاستراتيجية في مضمونها العام بإجماع هذه الاطراف على ضرورة ايقاف هذه الحرب لكونها بمعطياتها الراهنة والمستقبلية اضحت تفرز تهديدات متعددة على الامن والاستقرار في المنطقة عموما وبالذات في ظل ما يقوم به مراهقو القاعدة وتنظيم داعش في عدن والمحافظات الجنوبية من تقتيل وصلب وتفجير واغتيالات وفرض لسلطتهم ونفوذهم على تلك المناطق ناهيك عن مخططاتهم في التوسع والتمدد وطموحاتهم في السيطرة على باب المندب وسواحل خليج عدن مما قد يمكنهم من تهديد الملاحة الدولية في هذه الممرات الاستراتيجية والتأثير سلبا على مصالح واشنطن والغرب وأوضاع حلفائهم بالمنطقة وفي ذلك رسالة واضحة تشير الى ان الخيار العسكري في اليمن لم يعد من الخيارات المثلى لدى القوى الكبرى وبالتالي فهي من صارت تصنف الازمة اليمنية كأزمة سياسية داخلية ينبغي لها ان تحل عن طريق الحوار والتفاوض بعيدا عن نوازع التبريرات باستحالة تحقيق التوازن بين اطراف الصراع.
منذ عدة ايام يواصل الفريق المساعد للمبعوث الاممي الى اليمن اسماعيل ولد الشيخ احمد مشاوراته في صنعاء والرياض وعواصم خليجية وعربية اخرى لوضع الترتيبات النهائية للجولة المقبلة من المباحثات وتوفير ضمانات نجاحها بالتوفيق بين شروط هذا الطرف او ذاك للعودة الى طاولة الحوار ومع التقدم الحاصل في المواقف الدولية والإقليمية فقد عاد الملف اليمني الى التحرك وعادت معه جهود الامم المتحدة اكثر فاعلية لتقريب وجهات النظر المتعارضة وبالذات فيما يتعلق بمسألة تنفيذ القرار 2216 حيث يرى بعض المتابعين ان هذا القرار قيد جميع الاطراف ولا يمكن لأي جهة ان تطبقه حيث ان هذا القرار حينما صيغ قد صيغ على اعتبار ان هناك مليشيا واحدة وهي مليشيات الحوثي ومطلوب منها تسليم سلاحها فيما الواقع تغير وأصبح هناك مليشيات متعددة وينبغي سحب سلاح جميع هذه المليشيات في وقت واحد وهذا ما يطرحه ممثلو الحوثيون وكذا المؤتمر الشعبي العام فيما تتمسك حكومة عبدربه منصور هادي بنص القرار حرفيا وترفض اية حيثيات تؤثر في نصوصه.
وعلى الرغم من المباحثات التي اجريت بين ممثلين عن الحوثيين وممثلين عن الجانب السعودي وظهور ملامح لتسوية تضمن للسعودية تأمين حدودها وعدم وجود أي نفوذ لإيران في اليمن فان ضمانات تحقيق ذلك لا تزال غير واضحة حتى الان مع ذلك فان هذا الموضوع لن يشكل عائقا في جولة المباحثات القادمة بالكويت لان مثل تلك الضمانات هي من قد تحسم عن طريق الحوثيين والسعوديين انفسهم الذين لاشك وان قنوات التواصل ستبقى مفتوحة فيما بينهم لكن ما قد يبدو مشكلا في هذه المفاوضات هي حالة التعارض ما بين رؤية الجانب الحكومي الذي يتمسك بشرعيته وحقه في تسلم كل المدن والمناطق التي سقطت بيد الحوثيين وحلفائهم ومطالبة الطرف الاخر بحكومة جديدة تتشكل تضم كل الوان الطيف اليمني لإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة الامن والاستقرار وتنفيذ استحقاقات الانتقال الى الوضع الجديد الذي يمكن له ان يعيد صياغة التوازنات داخل اليمن خلال المرحلة القادمة من خلال ما ستفضي اليه الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
مثل هذا التعارض يصبح على درجة عالية من التعقيد بعد القرارات الاخيرة التي اصدرها الرئيس عبدربه منصور هادي والتي قضت بإقالة نائبه ورئيس حكومته خالد بحاح وتعيين الفريق علي محسن الاحمر الذي ظل يعارض النفوذ المتصاعد للحوثيين كنائب جديد له فيما اسند رئاسة الوزراء لأحمد بن دغر الذي يتهم بأنه من يسعى الى شق حزب المؤتمر الذي يتصدر قيادته الرئيس السابق علي عبدالله صالح حيث وان استحضار دوافع هذه التعديلات وفي هذا التوقيت بالذات يعكس تماما بان الطريق الى المفاوضات القادمة في الكويت لن تكون مفروشة بالورود والمسالك الامنة بل انها من قد تعترضها تحديات وعواصف لم تكن في الحسبان سيما اذا ما كانت تلك التعديلات هدفها خلط الاوراق وإعادة الازمة الى المربع الاول.
مع ذلك يبقى الرهان على ادراك جميع الاطراف ان اللعبة قد انتهت وعليهم التعاطي مع استحقاقات اللحظة بعقلانية وحكمة وروح وطنية خالصة تجسد الاستيعاب الواعي بأن اليمن يتسع للجميع وانه لا يمكن لطرف واحد ان يحتكر هذا البلد لنفسه او ان يحكمه بمعزل عن شراكة الاخرين مهما تمظهر ذلك الطرف بالوطنية وحب المواطن.

Facebook Comments APPID

 
Top